الخميس، 10 سبتمبر 2009

الاعلام الجديد في اليمن... وعود المستقبل


يراهن محمد الصالحي على أنه " ليس وحده " لكن هل سيكون هذا هو شعوره لولم يكن صحفيا؟
كثيرون يستبعدون ذلك ويقدمون الادلة...
يعمل محمد مديرا لتحرير موقع مأرب برس الالكتروني وهو من المواقع اليمنية الإخبارية كثيرة التصفح حسب قراءة المؤشر الرقمي في واجهة الموقع وفي ذات مرة من مرات التغطيات الإخبارية لاحظ جار الله الصالحي- قريب محمد- وهو يعمل مصورا في الموقع أن أفرادا من الأمن يلاحقونه أثناء التقاطه صورا لأثار محاولة هجوم مسلح في العاصمة اليمنية صنعاء استهدف موكبا للسفير الكوري الجنوبي..بالكاد التقط صوره, ثم أوقف سيارة تاكسي وغادر المكان.
عندما جاء جار الله الى موقع الحدث كان يستقل سيارة محمد لكنه عندما لاحظ أفراد الأمن يركضون نحوه عاد الى مقر الموقع الالكتروني بسيارة تاكسي تاركا سيارة محمد هناك.
كان المصور الشاب يرى في هذا القرار: اولا امكانية الحفاظ على ما ظفر به من صور وهذا يعني ثانيا:تحميلها على الموقع منفردا بذلك, اما سيارة محمد فيمكن العودة اليها حين يهدأ الموقف ...على الارجح هكذا استقر التقدير لدى جار الله .
حتى الآن هو نجح في تنفيذ الجزء الأول من القرار.وبالنسبة له فقد استطاع الوصول الى المكتب ومعه الصور وبعض زهو بالتفوق والانجاز والإفلات من قبضة الأمن لكن ذلك لم يدم طويلا.
بث الموقع الخبر مصحوبا بالصور لكن المتصفحين قرأوا أيضا العنوان التالي :اعتقال محمد وجار الله الصالحي ..لاحاجة هنا للتفاصيل فعندما عادا لجلب السيارة كان الأمن في انتظارهما.. وماكان يكفي للرضا المهني المعزز بابتسامة المتصفحين قابله عدم رضا أفراد الأمن من نجاح جار الله وبراعته في الافلات منهم .. كان الأمر لايستحق لكن الأمن كان لهما بالمرصاد فاقتادهما الى السجن
في ذلك اليوم , 18 مارس 2009م قضى محمد وجار الله ساعات عصيبة في مبنى إدارة الأمن السياسي في العاصمة صنعاء .
لاغرابة فمشهد كهذا يكاد يكون مكرورا في اليمن الذي يخوض معتركات التحول إلى بلد ديمقراطي بنفس طويل غير ان الجديد هنا يتمثل في انبعاث تلك الإشارة ببدء المواجهة ربما بين السلطات والإعلام الجديد .
هذه المادة التي أعدت كمتطلب تدريبي هي محاولة لتسليط الضوء على راهن التعامل مع تقنيات الإعلام الجديد في اليمن ..قراءة غير مكتملة للتحديات واستشراف يستدعي نقاش وعود المستقبل.
"شاهد".. المشوار بدأ..
مطلع مايو2009م منعت السلطات توزيع صحيفة المصدر الأسبوعية المستقلة ضمن ست صحف مستقلة أخرى بدعوة نشر مايمس الوحدة الوطنية وبينما كانت الصحيفة قد اكملت طباعة عددها الاخير كان هناك من ينتظر في بوابة المطبعة لمصادرة الكمية البالغة خمسة عشر الف نسخة .
في ذلك اليوم بث موقع المصدر اون لاين التابع للصحيفة مقطع فيديو عن عملية مصادرة الصحيفة من المطبعة
http://www.marebvideo.com/watch.aspx?vid=588&action=searchSimilar
اظهر الفيديو أشخاصا أمام المطبعة يقومون بنقل الكمية ويضعونها في وسيلة نقل ثم يغادرون...لقد سجل المقطع لحظة مهمة من حياة الصحيفة كما سجل أيضا حدثا إخباريا بطريقة حية... كان فيديو المصدر يقول للناس: انظروا ..هذا ماجرى لنا.. انكم تعرفون الآن لماذا لانتواجد هذا الأسبوع في السوق.
ورغم ان السلطات قامت بعد يومين فقط بحجب موقع المصدر اونلاين الا ان مقطع الفيديو كان قد انتشر وجرى تحميله في اكثر من مكان الكتروني.
اكثر من حدث يمني يمكن مشاهدته عبر مقاطع فيديو يلتقطها صحفيون او هواة ويبدو ان تقنيات الفيديو بدأ ت بالوصول التدريجي الى بوابة الصحافة الالكترونية اليمنية ففي ابريل 2009م بدأ موقع مأرب برس خدمة بث مقاطع الفيديو
http://www.marebvideo.com متيحا للمتصفحين إمكانية إضافة المقاطع التي يريدونها وكذلك التعليق على المقاطع المبثوثة.
يقول محمد الصالحي مدير الموقع انه خلال أسابيع تم تحميل أكثر من 600 مقطع وانضم أكثر من 500عضو للخدمة وهناك حوالي 700تعليق .
مارب برس ليس وحده من يبث مقاطع الفيديو فهناك ايضا موقع التغيير نت الذي ادخل خدمة الفيديو العام الماضي
http://www.al-tagheer.com/all_video.php وخدمة الصحوة نت عبر الصحوة يوتيوب http://www.youtube.com/alsahwanet التي انطلقت في اكتوبر 2008 م بعد ست سنوات من انطلاق الموقع .
الكثير من الصور ومقاطع الفيديو عن الاحداث مثبته على اليوتيوب ومواقع اخرى لاسيما تلك التي لاتستطيع القنوات التلفزيونية الوصول اليها..مثلما يحدث في بعض احتجاجات محافظات في جنوب البلاد, لكن الكثير من هذه المقاطع يجري التقاطها عبر اجهزة الموبايل مايعني الضعف في الجودة.
على مستوى التدوين يمكن العثور مثلا على 3026 مدوّنة / مدونات من اليمن في موقع مكتوب مطلع حتى مايو 2009م كذلك توجد مدونات في مواقع اخرى وبعضها ترفق مقاطع فيديو غير ان ذلك لايحدث دائما.
ومؤخرا انشئت العديد من المجموعات اليمنية على الفيس بوك التي تناقش في معظمها الأوضاع السياسية بعد ان كان ذلك غائبا في الشبكة.
هناك بدايات تكاد تكون واضحة لاقتحام مجال الإعلام الجديد غير انه في المقابل هناك عديد معوقات تجعل من هذه الخطوات إما متعثرة أحيانا او بطيئة أحايين كثيرة. وفي الحالين بدا ان التأثير القائم على مناشط الاعلام الجديد محدودا وفي ذلك اتساق مع إرهاصات البداية.
من يحضر اكثر؟
اذا كنت صحفيا في اليمن وتقوم بفتح بريدك الالكتروني باستمرار فمن النادر الاتجد رسالة واردة من الصحفية والمدونة سامية الاغبري.
سامية تعمل حاليا سكرتيرة للجنة الحريات بنقابة الصحافيين اليمنيين وغالبا ماترصد حالات الانتهاكات واخبار المحاكمات واي احداث لها صبغة انسانية وحقوقية .. مراسليها الالكترونية والتي تذهب الى قائمة طويلة من الاسماء تطلعك غالبا على موعد ندوة او حلقة نقاشية اوجلسة محاكمة او تحيطك بموقف جهة ما في قضية ما... حتما ستجد هناك مايثير فضولك .
ربما من حسن حظك كصحفي ان تجد في بريدك رسائل كهذه..لكن –لاحظ- لكونك صحفيا فقط مايعني ان الاهتمامات الالكترونية تتوافر على الوسط الصحفي اكثر من غيره من القطاعات ..انها وفرة الى حد كبير تأتيك من منابع شتى.
من ناحية الحضور تبدو الصحافة المطبوعة في اليمن هي الأكثر تصدرا لتقديم معلومات متعدد الأوجه اما وسائل الإذاعة والتلفزة فملكيتها مايزال حكرا على الدولة هي تحضر ايضا لكنه حضور يمكن وصفه بأنه من طرف واحد مايجعل مشاهدين كثر ينصرفون الى فضائيات اخرى.
زمنيا دخول الصحافة الالكترونية كعنصر جديد في معادلة المعلومات والآراء.. لايجتاز السبع سنوات تقريبا لكنه استطاع خلال هذه الفترة ان يخطو خطوات لافتة تجعل المتبع لشبكة الانترنت يلحظ ان قابلية اليمنيين وبالذات الجيل الجديد للبحث عن فضاءات يسير بخطى معقولة بالقياس الى حركة المج ومن المهم ايضا الاشارة هنا الى الحركة النشطة لليمنيين في الخارج داخل شبكة الانترنت.
تعال نقوم بجوجلة على كلمة اليمن ستجد ضمن نتائج البحث..مجموعات بريدية..منتديات ,مواقع متنوعة ,تعليقات وتفاعلات على الأخبار والآراء ..وأيضا هناك مدونات ومقاطع فيديو ومجموعات في شبكة الفيس بوك والى حد اقل ثمة يمنيون في " التوتير" موقع المراسلات النصية الشبيهة برسائل الموبايل وكذلك في "الماي سبيس "موقع تحميل الصور وينسحب ذلك على التشبيك التفاعلي الالكتروني المتسق مع ضاءله عدد المتعاملين مع الانترنت في البلاد قياسا ببلدان عربية اخرى . كما يمكن للمتتبع ملاحظة الاقبال الكبير على المنتديات التفاعلية واحتوائها من حيث الموضوع لفضاءات جديدة في طرح الرأي السياسي والاجتماعي كما يظهر ذلك في موقع المجلس اليمني الذي يدار من خارج اليمن ويقدم آراء جرئيه وكذلك منتدى حوار الذي يرأسه الناشط الالكتروني عبدالرشيد الفقيه الذي ميز الموقع بإجراء حوارات صحفية مع شخصيات سياسية واعتماده كسياسة للموقع على مشاركات اسماء حقيقية في اغلب الحالات بخلاف موقع المجلس اليمني الذي يدار من خارج البلاد وكثيرا ما نرى مشاركات بأسماء
وطبقا لنبيل الصوفي الذي يملك ويرأس تحرير موقع نيوز يمن
http://www.newsyemen.net /فان الإحصاءات لعدد زوار "نيوزيمن" وصلت الى 36 مليون و61 ألف زيارة منذ , بينهم 14.207596 في عام 2008م.
وأوضح الصوفي في مقال بثه الموقع في مايو 2009م بمناسبة مرور اربع سنوات على انطلاقه: ان هناك أكثر من 10 مليون زائر من هذا العدد هم من داخل اليمن .
ويعد موقع " مأرب برس"
http://marebpress.net / الذي انطلق مطلع 2006م وموقع التغيير نت http://www.al-tagheer.com / من اكثر المواقع اليمنية الإخبارية تصفحا حسبما تشير الاحصاءات.
ويمكن للمتتبع رصد حجم الردود والتعليقات على ماتبثه هذه المواقع الإخبارية ومثيلاتها ليتأكد من ان الصحافة الالكترونية الاخبارية تتصدر اهتمامات المتعاملين مع الانترنت وهو اهتمام يعبر عن حداثة التعامل مع تقنيات الاعلام الجديد في البلاد والتحديات المصاحبة له.
تحديات... وامال
من مقهى انترنت الى آخر يتنقل عزت مصطفى, عزت وهو صحفي ومدون ونشط في المراسلات الإلكترونية الإخبارية يقاوم كل متاعب ومشكلات مقاهي النت لكنه في النهاية يكسب حضورا متقدا في الفضاء الالكتروني.
يستطيع عزت ان يقودنا مباشرة الى أسباب ضعف إقبال اليمنيين على الاعلام الجديد: "سوء خدمات الإنترنت، وضعف مستوى التعليم خاصة في مجال الحاسوب، وارتفاع أسعار الاشتراك في هذه الخدمة" لكن العامل الأهم والحديث لعزت - هو تدني مستوى الدخل ما يجعل توافر امتلاك أجهزة كمبيوتر صعبة ، إذ أن الغالبية العظمى من مستخدمي الانترنت في اليمن يستخدمونها من مقاهي انترنت لساعات محدودة.
في الاحصائيات تأكيد لما ذهب اليه عزت فبحسب شركة "يمن نت" وهي شركة تملكهما الحكومة وتعد المزود الوحيد لخدمة الانترنت في البلاد فإن عدد المشتركين في الخدمة بلغ حتى ابريل 2009م أكثر من 330الف مشترك اما المستخدمين فهناك اكثر من مليون مستخدم ويوجد أكثر من ألف مقهى نت 60% منها في العاصمة صنعاء .
المهندس عامر محمد هزاع مدير عام شبكة تراسل المعطيات والانترنت في الشركة قال ذلك لموقع سبتمبرنت في ابريل 2009م واضاف: ان معدل تصفح اليمنيين لشبكة الانترنت لا يقل عن 4ساعات يومياً . لكنة ليس كذلك بالنسبة لمشتركي خدمة الـ ADSL وعددهم 30الف من مجموع الـ 330الف وهو يقول أنهم يلاحظون ان عدد من يدخلون في نفس الوقت يتجاوز الـ 8الف مشترك بمعدل 120 الف ساعة في اليوم كما قال.
هذا الوقت الضئيل الممنوح للنت له مايفسره من أسباب.. واذا كان محمد الصالحي مدير تحرير موقع مأرب برس يقضي امام شاشة الكمبيوتر من سبع الى تسع ساعات يومياً في متابعة تطورات الأحداث فان الصحفي والمدون احمد النويهي الذي يعيش في مدينة تعز -الى الجنوب من صنعاء -لايعطي الانترنت سوى ثلاث ساعات فقط من وقته اليومي رغم امتلاكه ثلاث مدونات على الشبكة.
انه منشغل بأعمال أخرى تجعله أكثر قدرة على مواجهة المتطلبات المعيشية له ولأسرته. لكن ماهي امكانية التعامل مع النت في أماكن العمل؟ يبدو ذلك صعب أيضا . ربما أكثر مما نتصور, يقول عزت ان استخدام الصحفيين للنت باعتبارهم الشريحة الأكثر يكاد منعدما في أماكن العمل . هو يبرر ذلك بعدم كفاية أجهزة الكمبيوتر الموجودة في الصحف ، إضافة إلى أن معظم الصحف تصدر أسبوعيا وبالتالي فإن ساعات عمل الصحفيين فيها محدودة وتقتصر على اليومين الذين يسبقان موعد الإصدار، بمعني يومي عمل (أسبوعياً) في مقار الصحف ليس كافياً للارتباط والتفاعل مع تقنيات الإعلام الجديد، ويزيد على ذلك عدم الاستقرار في العمل لمدد طويلة، إذ يظل الصحفي اليمني يتنقل في العمل من وسيلة إعلامية إلى أخرى، كما أن كثير من الصحافيين يرتبطون مع الصحف بنظام القطعة إذ يعملون على إعداد المادة الصحفية من خارج مقر الصحيفة ومن ثم يرسلونها للنشر مكتوبة يدوياً لتعيد الصحيفة طباعتها على أجهزة الكمبيوتر كما قال عزت.
التدوين..حالة استكشاف
التحدي التكنولوجي والوقت الممنوح لشبكة الانترنت أيا كانت أسبابه فان له بالغ الأثر في جعل التفاعل مع تقنيات الاعلام الجديد محدودا ولعل في حال المدونات مايفسر ذلك أكثر.
لنمر على التدوين قليلا حيث نقاش المُنتَج وأسلوبه:
لم تكن المدونة والصحفية سامية الاغبري تدرك أهمية التدوين" في بداية تجربتها. تقول: كنت ارى التدوين صعبا ومملا , ولكني ومنذ مايقارب الثلاث سنوات وبعد ان تلقيت دورة تدريبية ,عرفت كيف انني في المدونة اكتب ما أريد وبالطريقة التي أريد بعكس المواقع والصحف التي لها سياسة تحريرية محددة إنني اكتب الآن دون سقف لحرية ما اكتب. لكن سامية تقول ايضا: في الواقع اقوم احيانا بإعادة نشر ما اكتبه في الصحف المطبوعة وبعض المواقع في مدونتي.
في تجربة سامية إفصاح عن الحال الذي يعيشه مدونون آخرون وهم يقومون بإعادة نشر مايكتبونه سابقا في صحف وربما مواقع الكترونية مايبقي المدونات لفترات طويلة احيانا دون تحديث أو تسجيل ماهو جديد من احداث ووقائع ومواقف وانطباعات ومشاهدات يومية ويمكن الإضافة بأن الحالة اليمنية تعيش ندرة في استخدام مقاطع الفيديو او الصور الحية في المدونات والشبكات ذات الصلة .
هنا يمكن التسجيل أن الساحة الإلكترونية تكاد تكون متروكة للمواقع الاخبارية وضمنها تجتهد طواقم هذه المواقع في استحداث بعض تقنيات الاعلام الجديد وعادة ماتأخذ المواقع الإخبارية اتجاها نحو المؤسسية المستقلة او التبعية لجهات حزبية او حكومية في حين يعمل المدونون بإمكانات فردية وطاقات محدودة أيضا.
تكمن مشكلة طغيان تصفح المواقع الاخبارية على المدونات بالنسبة للمدون احمد النويهي فيما يسميه بظاهرة"النسخ واللصق" ويقول ان المواقع الاخبارية تقوم بنشر نفس الاخبار بعد اعادة صياغة وتحوير وتقديم وتأخير لنفس المعلومات متسائلا: ماالجديد الذي يمكن ان يضيفه المدون وكيف يمكنه استقطاب المتصفحين وقد عم الخبر المواقع الإخبارية ؟
ان سألت مدونا عن سبب غياب الصورة ومقاطع الفيديو في مدونته سيأتيك الرد من احدهم :
انا استخدم الصور"الفوتوغرافية" في أغلب ما أبثه في مدونتي لكنني لا استطيع استخدام "الفيديو" لأسباب مالية و تقنية.يقول المدون احمد عبد الرحمن وهو طالب في قسم الصحافة بكلية الاعلام بجامعة صنعاء ,ويوضح:ليس لدي كاميرا فيديو ولا معرفة تقنية كافية في كيفية إضافة مقاطع الفيديو .
ووفق مدير تحرير موقع مأرب برس فان معظم ما يتم تحميله من مقاطع فيديو على الموقع فهي اما منقولة من مواقع اخرى او مسجلة من قنوات فضائية.
ومع غياب إحصائية دقيقة وحديثة عن عدد المدونات والمدونين في اليمن إلا أن آخر إحصائية متوفرة بثها موقع مأرب برس مطلع العام 2008م عن منظمة تسمى " بيت المدون اليمني" فقد قارب عدد المدونات في اليمن ألفين وست وخمسين مدونة حتى نهاية عام 2007م وذكرت الإحصائية السابقة ان 567 مدونة هي مايتم تحديثها بشكل مستمر من هذه المدونات.
احمد النويهي وهو عضو مؤسس في اتحاد المدونين اليمنيين يؤكد ان العدد متدن للغاية بسبب ما اسماه عدم استيعاب دور هذه التقنية وامتلاك أدواتها التكنولوجية واقتصار المنخرطين فيها على الهواة. مكررا القول عن هيمنة المواقع الالكترونية الإخبارية على التصفح لدى الجمهور وسرعتها في تقديم ماهو جديد.
مشكلة اخرى تواجه المدونين فمن وجهة نظر احمد عبد الرحمن فان المدونات كبديل للصحف الورقية التي لا يتسع هامشها لنشر الكثير من الآراء تواجه المشاكل نفسها ولكن بطريقة مختلفة. يقول :إننا مخنوقين في هذا الفضاء حيث تواجهني كثير من المثبطات أبرزها الحجب المستمر للمدونات من قبل الشركة -المزودة لخدمة الانترنت- والمسلطة على رؤوس المدونين.
السلطة .. والحرية
المشكلة نفسها ترددها سامية الاغبري وهي تفسر سبب عدم تحديث مدونتها, فالسلطات ماتزال تنظر بعين الريبة إلى استخدام التقنيات الحديثة كأنماط جديدة لتبادل المعلومات و الآراء والتفاعل معها وهي تعلن من وقت لآخر توجهها نحو تقنين الصحافة الإلكترونية غير خافية انزعاجها من قيام مواقع الكترونية معارضة بتقديم خدمة الأخبار القصيرة عبر الموبايل للجمهور العام الراغبين بالاشتراك لكنها في ذات الوقت تبذل جهودا حثيثة لتطوير نفسها بواسطة خدمات الإعلام الرسمي التابعة لها اذ تقدم خدمات الأخبار القصيرة عبر الموبايل وتضيف بعض مواقعها الالكترونية مقاطع فيديو أحيانا.
من اللافت انه بقدر مايتح بلد كاليمن ملفاته الراهنة مفتوحة على مشكلات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية عديدة من مادة حيوية للإعلام الجديد فأن تحديات أخرى كارتفاع نسبة الأمية وتدني مستوى الدخل وارتفاع معدل البطالة وتمركز السكان في الريف وتلك المشكلات التي أثارها مدونون في هذه المادة الصحفية .,جعل من هذه الحيوية غائبة.
منطقي هو الاستنتاج ان الإعلام الجديد لم يتحول بعد في البلاد الى حالة جماهيرية تفاعلية على أن إطلاق وصف " مدون" والحال كذلك يبدو مبالغا فيه فغالب من يجري وصفهم بالمدونين هم في الأساس صحفيون غير ان ذلك لايعني بالمطلق ان البلد لم يبدأ خطواته الأولى في طريق الإعلام الجديد بقدر ما يفسر الهيمنة الطاغية لوسائل الإعلام التقليدية على مشهد العملية الإعلامية.
المستقبل: وعود المؤشرات
يتحدث محمد الصالحي عن غياب أي تجمع نقابي يضم العاملين في الصحافة الإلكترونية خاصة وان نظام نقابة الصحفيين اليمنيين لايسمح بعضويتهم في النقابة ولذا فهم عرضة للانتهاك المستمر كما يقول.
انهم يتعاملون غالبا مع أفراد وجهات لا تتعاطى كثيرا مع المنتج الصحفي عبر الانترنت كنمط تقني وإعلامي جديد يفرض نفسه وواقعه في التعامل مع الاحداث ويحول مقولة المواطن الصحفي الى حقيقة قائمة., وبسبب هذا التعاطي السلبي او غير الواعي لما يجري في العالم يبرز خطاب مشروعية عمل هؤلاء من الناحية القانونية , فأن تذهب لتغطية حدث ما فذلك يعني أحيانا ان تكون لديك الإجابة على سؤال أين ترخيصك؟ أو أين بطاقتك الصحفية؟ هنا لاتجد كلمة " مدون" أي صدى. لربما لم يسمع بها السائل من قبل! مع ان الامر هنا فيه تجاوز ضمني للعراقيل – وهي كثيرة-التي يعانيها الصحفيون أثناء أداء مهامهم فما بالنا بالمدونين.! مايعني انك لاتكسب ميزة دائما لكونك تحمل بطاقة صحفية.
انه موضوع متعلق في احد جوانبه الجوهرية ببطء التحولات والمواكبة و بمدى التأثير الذي لم يبلغ قوته بعد من قبل الحركة المدنية والمنظمات الحقوقية وكل الكتل الاجتماعية الموازية في مواجهة سلطة الدولة وماتحملة من موانع للشفافية.
في مجموعته التي أنشأها على شبكة الفيس بوك نعثر على رسالة في ابريل 2009م بعث بها نشوان عبده علي غانم عنونها ب: استغاثة إلى منظمة العفو الدولية وضمن ماجاء فيها: أن حياته أصبحت في خطر بعد ان نشر مقالا في مدونته عن تداعيات الاعتداء على السفارة الأمريكية بصنعاء في 17 سبتمبر / أيلول 2008 .
غانم الذي يعرف نفسه بمدون ومهندس اتصالات اتهم في رسالته قيادات عسكرية وشخصيات نافذة في السلطة بالضلوع وراء ماتعرضت له السفارة وقال انه كان عرضة للاعتداء والضرب حد محاولة اغتياله.
ترافق ذلك والإعلان في صنعاء مؤخرا عن إنشاء" الرابطة اليمنية للإعلام الجديد" وكذلك حديث المدونين على قلتهم عن أهمية وضرورة التأطر في كيان يدافع عنهم ويركز على احتياجات الناشطين من خلال هذه التقنية الحديثة.,
ماسبق وغيره يمنح فرصة تفاؤلية للقول ان القطار بدأ في السير.., ومن المتوقع ان تؤدي ميزات المعطى التكنولوجي في تسريع الحركة فسهولة الاستخدام ومجانية البرامج وتنافس شركات التقنية والاتصالات على تقديم ماهو أفضل فضلا عن إدخال التكنولوجيا في مجال التعليم ومراكمة الوعي الديمقراطي وضرورات الانفتاح السياسي والاقتصادي وكل ما من شأنه جعل خدمة الانترنت متاحة وسريعة,سيؤدي الى استقطاب واسع للجيل الجديد في مجال الإعلام الجديد قبل ان يكشف لنا المستقبل عن تطورات أخرى يجمع المتابعين انها ستكون مدهشة ومثيرة كما نلحظ بعض ملامحه عبر موقع السوكاند لايف الذي يتيح العيش الافتراضي للبشر ونشاطاتهم في محاكاة للحياة الحقيقية بطريقة تتفوق كثيرا على الدردشة بالصوت والصورة والكتابة والمؤتمرات الالكترونية المشتركة التي ستكون تقليدية في قادم السنين كما يقول مهتمون.
قد لايبدو الأمر بهذه البساطه بالنسبة لبلد تقف مشكلاته تحديا أمام الانسياب التكنولوجي لكنه امر لابد انه سيحدث وليس بمقدور احد اعاقتة لفترة أطول مع السخونة الشديدة التي تتسم بها ثورة التكنولوجيا في العالم.
أدلة البدايات في اليمن خير دليل على ذلك حيث يمكننا اليوم تصفح مقاطع فيديو على موقع اليوتيوب عن بعض الأحداث ينتجها احيانا مواطنون عاديون.بل أن بعض هذه المقاطع قد تكون لأحداث خطيرة يصعب على عدسات التلفزيون الوصول إليها...هذا يعنى ان المستقبل يحمل المزيد من الحضور واجتياز الصعوبات .
التقانة والمعرفة بماهي ميزة هذا العصر تفرض أجندتها بقوة على الدول ومجتمعاتها وأنظمتها الحاكمة واليمن ليست بمنأى عن ذلك لتبقى المسألة مقارنات في سرعة الاستجابة بين البلدان اكثر من كونها ارادة للمنع او المنح بيد السلطات.
هو اذن استحقاق موضوعه الأساس الحرية., تلك الحرية التي تجعل من محمد الصالحي يعيش كمواطن قبل ان يكون صحفيا حياته اليومية دون حسابات أمنية ..,لو انه قرر ترك سيارته في أي مكان يمكنه ان يعود اليها في أي وقت دون نسبة مخاطرة.... حرية تجعل المصور جار الله يلتقط صور حدث مثل محاولة هجوم مسلح على سفير بصنعاء او أي مدينة اخرى دون ان يمنعه أفراد الأمن من التقاط أنفاسه ., حرية لايحول فيها رجال الأمن دون تحقيق الجزء الثاني من خطته بالعودة الآمنة لاقتياد سيارة مدير الموقع التي تركها في مكان الحادث بل دون ان يفكر أساسا بترك السيارة هناك., لقد اعتقل جارالله لكنه نجح في مهمته فالمؤكد ان من المجازفات مايبدو كما لو انها ثمن الحرية وفي ذلك مايبعث الفخر. فخر الحرية المنتظرة نفسها عندما لايجد صحفي أومدون وناشطي الانترنت والإعلام الالكتروني مكانا للحجز او الحبس او مصادرة الحقوق بسبب أداء المهنة او إبداء الرأي.
ولئن حظي محمد وجارالله الصالحي بتضامن نقابي ومدني أديا إلى إطلاق سراحهما بعد ثمان ساعات من الاعتقال ماجعل محمد وهو صحفي شاب معروف وسط الصحافة الالكترونية يقول لزملائه حينها:" شعرت أنني لست وحدي" فان السؤال المهم :كيف يمكن للمنخرطين في مجال الإعلام الجديد-ممن ليسو صحفيين- القيام بدورهم وهم يحملون نفس مشاعر محمد.. مشاعر تصير ذاتها زمنا للمواطن الصحفي ..وسلطة لحرية التدوين والنشر وضخ المعلومات وتبادلها عبر التقنيات الحديثة؟
ذلك هو ابرز أسئلة التحدي اذن.
تحدي مستقبل الإعلام الجديد في اليمن وانتظار وعوده أيضا.
......................
حمدي البكاري صنعاء 2009م

صحفي في مواجهة العالم*

يس فلسطينياً وليس عربياً، ليس لاجئاً ولا من عائلة قدمت شهداء، ليس لديه أقارب أو أفراد عائلة من فلسطين، لكنه وببساطة صحفي سويدي حر وشجاع، اسمه دونالد بوستروم، قرر أن ينشر ما توصل إليه رغم معرفته المسبقة لما سيتعرض له، وهو الذي سبق وأن هددوه بالقتل لكتاب نشره أيضاً عن فلسطين. صحفي أثبت أنه أكثر شرفاً من عشرات بل مئات من الصحفيين العرب الذين يعتاشون من مدح الحاكم والتهليل له."منذ نشر بوستروم كتابه بدأت الحملة عليه، وقد بلغت حدّ التهديد بالقتل، فقد تمّ إرسال نسخة من كتابه وصلته بالبريد وفيها 12 طعنة خنجر" من هو دونالد بوستروم؟يعرّف الكاتب رشاد أبو شاور دونالد بوستروم بأنه صحفي سويدي، زار فلسطين أكثر من ثلاثين مرّة، فرأى وصوّر وكتب، لأنه لم يزر فلسطين سائحا، بل باحثا عن حقيقة الصراع الدائر على الأرض المعذّبة، بين شعب أعزل إلاّ من حجارة أرضه، والشعور العالي بالكرامة، والتسلّح بإرادة لم يكسرها البطش، وتفوّق السلاح في يّد مُحتّل شرس يمارس القتل، واقتلاع الأشجار، وصيد أطفال الفلسطينيين بلا رحمة، بل بمتعة يبررها بأساطير وخرافات تحشو عقله.هذا الصحفي السويدي عايش الفلسطينيين في الانتفاضتين، ونقل المشهد بتفاصيله وجنونه ورعبه إلى المواطن السويدي ليحصنه بالمعرفة والحقيقة في وجه الدعاية الصهيونيّة العنصريّة الابتزازيّة.جاء إلى فلسطين وهو غير منحاز لأي من الطرفين، ولكن نزاهته كصحفي فتحت عينيه على واقع الصراع، فتأمل ما يحدث، وذهب برؤيته إلى الجوهر، فانحاز للحقيقة والحّق، وجمع كتابات عدد من السويديين في كتاب أطلق عليه اسم (إن شاء الله) ترجمته إلى العربيّة أمل عطا عبّاس الكسواني، وصدر بطبعته العربيّة في السويد عام 2006. والكتاب يحوي مائتي صورة التقطها بوستروم نفسه، وهو معروف كمصوّر ممتاز، والصور تحكي أحداث الانتفاضتين، وسور النهب، وتدمير المنازل، ومشاهد قمع جنود الاحتلال للفلسطينيين.عنوان الكتاب ليس سخرية من إيمان الفلسطينيين، ولكنه احترام لثقتهم بعدالة الله الواحد الأحد، رّب العالمين، وليس إله فئة من البشر تدّعي التميّز العنصري على بني البشر أجمعين بأعراقهم، وألوانهم، وثقافاتهم.في الصفحة 15 من كتاب (إن شاء الله) الذي حرره وأشرف عليه بوستروم، يورد شهادة لأم يهوديّة فقدت ابنتها في عمليّة استشهاديّة، تقول تلك السيدة نوريت بيليد ألشان: "لقد استغرقت حكومتنا عشرين عاما من الاحتلال قبل أن يُفرّخ الاحتلال العمليّة الانتحاريّة الأولى". يُفسّر بوستروم كلام الأم اليهوديّة التي خسرت ابنتها: ".. وهي تقصد أن الانتهاكات والإذلال على الحواجز (الإسرائيليّة) تُشكّل معملا لتفريخ الانتحاريين، مشيرة بوضوح إلى مسؤوليّة (إسرائيل) عن الوضع المتأزّم". (ص15 من الترجمة العربيّة)في مقدمة كتاب (إن شاء الله) يكتب بوستروم: وبالطبع لو كان باستطاعة الفلسطينيين أن يستبدلوا أسلحتهم اليدوية الصنع بطائرات إف 16 ومروحيات الأباتشي لفعلوا، لأن الأحداث قد أظهرت بوضوح أن إرهاب (الدولة الإسرائيليّة) والمنفّذ بأرقى الأسلحة الغربيّة ضد المدنيين الفلسطينيين، لم يحظ ولو بجزء بسيط من الإدانات التي تناولت (الإرهاب الفلسطيني).. مع إن إرهاب الدولة أشد فتكا. (ص14)منذ نشر بوستروم كتابه بدأت الحملة عليه، وقد بلغت حدّ التهديد بالقتل، فقد تمّ إرسال نسخة من كتابه وصلته بالبريد وفيها 12 طعنة خنجر."فجأة تحول المتهم إلى مهاجم صاحب حق، والصحفي ودولته إلى متهمين" حملة شرسة ضد بوستروم والسويدما إن نشر بوستروم مقاله الشهير عن سرقة أعضاء الشبان الفلسطينيين في صحيفة "أفتون بلاديت" السويدية يوم الاثنين 17/08/2009 حتى قامت الدنيا ولم تقعد في "إسرائيل" ليس من باب مناقشة ما ورد فيه، أو رداً على المحتوى أو المضمون، بل طعناً وهجوماً واتهاماً بالعنصرية ومعاداة السامية للصحفي بوستروم، ومطالب بالاعتذار والإدانة من السويد وحكومتها وقياداتها.وفجأة تحول المتهم إلى مهاجم صاحب حق، والصحفي ودولته إلى متهمين، فقط لمحاولته كشف ما توصل إليه، ومطالبته بفتح تحقيق في الأمر.المقال المذكور يسرد تفاصيل خبر من بروكلين في الولايات المتحدة لحاخام سماه تاجر أعضاء بشرية، ويقول فيه إن "إسرائيل" وطبقاً لمؤتمر عقد في العام 2003 هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا تدين مهنة الطب فيها سرقة الأعضاء البشرية، ويتحدث عن اتصالات تلقاها من مسؤولي الأمم المتحدة عام 1992 يعربون فيها عن قلقهم من أن سرقة أعضاء لشبان فلسطينيين تحدث فعلا، وأخيراً يوثق حالة الشاب بلال غانم من قرية أماتين شمال الضفة الغربية.الحملة المسعورة التي يقودها نتنياهو وليبرمان كانت على ما يبدو لصرف الأنظار عن تلك الممارسات، ومحاولة لوقف أي أمر مشابه في المستقبل، وهو ما عبر عنه الكاتب الإسرائيلي روسي الأصل إسرائيل شامير في مقال له على موقعه، حين وصف سبب هذه الهستيريا بـ"الخرق في جدار السيطرة الإعلامية" موضحاً بعض مظاهر السيطرة الإعلامية "اليهودية" في السويد، والذي سرد أيضاً وقائع أخرى تورط فيها "إسرائيليون" في دول أخرى منها تركيا وجنوب أفريقيا والبرازيل وأوكرانيا."الصحف الإسرائيلية نشرت عام 2007 قصة شبان ستة من خان يونس قتلتهم قوات الاحتلال واختطفت جثامينهم لمدة ستة أيام وأعادتهم بعدها وقد خيطت صدورهم وبطونهم" بل ذهب لأبعد من ذلك في وصف ما سماه "عدم وجود للموانع الأخلاقية" بحديثه عن فتوى لحاخام اسمه يتسحاق غيزبورغ يسمح فيها لليهودي "دينياً" بأخذ كبد من "الغوييم" حتى بدون إذنه، لأن حياة "اليهودي" أكثر قيمة من حياة "الحيوان".تلك الحملة صمدت في وجهها الحكومة السويدية حتى اللحظة، رغم ظهور شواهد على بدء الرضوخ من خلال ما نشرته السفيرة السويدية في تل أبيب معربة فيه عن "الصدمة والاستنكار" عما نُشر، وهي من عائلة بونير اليهودية الثرية والتي بحسب إسرائيل شامير تملك غالبية الصحف السويدية وشبكات التلفزة ودور السينما، وأيضاً من خلال الإحراج الذي تعرض له وزير الخارجية السويدي كارل بيلت من التلويح برغبة "إسرائيل" في إلغاء زيارته لتل أبيب مما دعاه للكتابة في إحدى المدونات أن "مثل هذا المقال من الممكن أن يتسبب بمعاداة السامية والتحريض هو ضد القانون السويدي".أما الصحيفة والصحفي فقد ثبتوا على موقفهم ورفضوا أي اعتذار أو تراجع، متمسكين بحقهم وتحت حرية الرأي، بل وفي مقال بعنوان "الأسبوع الذي أصبح فيه العالم مجنونا" نشر الأحد 23/08/2009 قال رئيس تحرير الصحيفة يان هيلين إنه في التقرير الأول الذي نشر مطلع الأسبوع لم يكن هناك أدلة على الاتجار بأعضاء قتلى فلسطينيين.وقال "لست نازيا ولا معاديا للسامية، إنني رئيس تحرير الصحيفة الذي أعطى الضوء الأخضر لنشر مقال لأنه كان يطرح مجموعة من النقاط المقنعة" والصحيفة اليوم تتعرض لحملات قضائية أيضاً في السويد والولايات المتحدة.الحملة الهستيرية أيضاً انتقلت من الحكومة الإسرائيلية إلى الجمهور حيث نشرت صحيفة الجيروزاليم بوست في عددها الصادر بتاريخ 24/08/2009 خبراً عن البدء بحملة "وطنية" لمقاطعة البضائع السويدية وخصت مخازن "إيكيا" الشهيرة للمفروشات، ومصنع "فولفو" للسيارات بهذه المقاطعة، وكذلك خرجت في ذات اليوم مظاهرات أمام السفارة السويدية في تل أبيب احتجاجاً على المقال.في كل تلك المظاهرات والاحتجاجات والحملات غاب تماماً أي ذكر لمحتوى المقال والاتهامات الواردة فيه والمطالب بفتح تحقيق دولي، أو أي رد على تساؤل بسيط من قبيل لماذا يتم تشريح الجثامين رغم معرفة سبب الوفاة أي الرصاص؟ وببساطة لو كان الاحتلال وقادته لا يخفون أمراً ولا يخشون شيئاً، لقبلوا فوراً بفتح تحقيق لتبريء ساحتهم، وإسكات الجميع، ومن ثم مقاضاة الصحيفة والصحفي.مما يجدر ذكره هنا أنها ليست المرة الأولى التي تتهم فيها "إسرائيل" بالتهمة ذاتها، ويكفي أن نذكر أن الصحف الإسرائيلية نشرت عام 2007 قصة شبان ستة من خان يونس قتلتهم قوات الاحتلال واختطفت جثامينهم لمدة ستة أيام وأعادتهم بعدها وقد خيطت صدورهم وبطونهم.عدا عن أنه وحتى اللحظة وبحسب الحملة الوطنية الفلسطينية لاسترداد جثامين الشهداء، ما زال هناك 273 شهيداً في مقابر الأرقام وثلاجات الموتى، وهو العدد الذي تم توثيقه فقط.ناهيك عن الحوادث والجرائم الأخرى منذ أربعينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، والتي وثق منها الكثير وكان آخرها جرائم العدوان على غزة بدايات هذا العام."أما من يعنيهم الأمر مباشرة، فيبدو أن الأمر لا يعنيهم لا من قريب ولا من بعيد، وهنا نعني القيادة الفلسطينية والمفترض أنها المسؤولة عن كل مواطن" الأمر لا يعنيهملم تتحرك أي مؤسسة أو هيئة أو وسيلة إعلامية أو حكومية أو حتى شخصية رسمية لدعم هذا الصحفي وصحيفته، أو حتى للمطالبة بالتحقيق فيما ورد، وهو الموقف ذاته الذي أضاع الكثير من المتضامنين مع قضيتنا بعد التخلي عنهم وتعرضهم لضغوطات هائلة.وهو الموقف نفسه الذي أضاع أيضاً قراراً بأهمية فتوى محكمة العدل الدولية في لاهاي عام 2004 الخاص بجدار الفصل العنصري والاحتلال، وهو الموقف عينه الذي بسببه ستضيع القدس دون أن يحرك أحد أي ساكن، لا فعلاً ولا حتى قولاً.حتى ساعة كتابة هذه السطور، لم تتم استضافة دونالد بوستروم أو الاتصال به على أي منبر إعلامي عربي، ولم يصدر أي بيان رسمي من أي نوع، وباستثناء بعض المواقع التي نشرت نص مقاله مترجماُ، خلت النشرات والتقارير من أي ذكر للأمر، رغم تفاعله على مستوى عالمي، بل تحدثت تقارير عن استعداد دول عربية للتطبيع مع الاحتلال كبادرة حسن نية تجاه نتنياهو لتشجيعه على تجميد الاستيطان.أما من يعنيهم الأمر مباشرة، فيبدو أن الأمر لا يعنيهم لا من قريب ولا من بعيد، وهنا نعني القيادة الفلسطينية والمفترض أنها المسؤولة عن كل مواطن، وأنها في مرحلة نضال وتحرير ضد عدو لا يرحم.تلك القيادة التي رفضت في السابق التوجه لمحكمة الجنايات الدولية لرفع قضايا جرائم حرب ضد "إسرائيل" وتلك القيادة التي تتفرج على ضياع القدس مما حدا بوزيرها لشؤون القدس حاتم عبد القادر للاستقالة احتجاجاً على الضلوع في تضييع القدس وعن عمد.تلك القيادة تتخذ ذات الموقف اليوم، لا علاقة لها بالأمر، والموضوع ربما بنظرهم شأن داخلي، أو في أحسن الأحوال شأن إسرائيلي سويدي، واللقاءات مع قادة الاحتلال ستستمر، حتى وإن أعلن نتنياهو مئات المرات أنه لا عودة للاجئين، ولا قدس، ولا وقف للاستيطان، ولا دولة ذات سيادة، فهل نتوقع أن يحرك بلال غانم وغيره من الشهداء هذه القيادة؟."مقابل الصمت الفلسطيني والعربي والغربي الذي يصل حد التواطؤ، تخرج أصوات حرة وأقلام لا تخشى مثل الصحفي دونالد بوستروم" هذا الصمت المريب يستوي فيه ولأول مرة العرب مع الغرب، السويد التي ترأس المجموعة الأوروبية تقف وحيدة في مواجهة الاتهامات والادعاءات، حرية الرأي التي تغنى ويتغنى بها الغرب اختفت من قواميسهم فجأة، عكس ما حدث إبان الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، حين وقف الغرب بقده وقديده مع تلك الرسومات ونشرها، ويقف ذات الغرب اليوم دون أن يحرك ساكناً.مقابل الصمت الفلسطيني والعربي والغربي الذي يصل حد التواطؤ، تخرج أصوات حرة وأقلام لا تخشى مثل الصحفي دونالد بوستروم، بل وللأسف حتى من داخل معسكر الاحتلال. والأسف هنا على كتابنا ومثقفينا إن جازت التسمية، ومن هؤلاء بروفيسور العلوم السياسية في جامعة بن غوريون نيفي غوردون والذي طالب بمقاطعة "إسرائيل" لأنها دولة عنصرية في مقال نشره في صحيفة لوس انجلوس تايمز بتاريخ 21/08/2009. وقبله كانت دعوات أوروبية ومن بريطانيا لمقاطعة أكاديمية لذات السبب، وبعده كان موقف منظمة "مراسلون بلا حدود" في باريس والتي أيدت الموقف السويدي في مواجهة حكومة الاحتلال. بالتأكيد لن تكون محاولة إسكات الصحفي بوستروم وصحيفته الأخيرة، لكن بالتأكيد أيضاً أن الجدار الإعلامي الحديدي الذي يحاول الاحتلال الحفاظ عليه قد تضعضع، وما عصابة بروكلين، والتهجم على مؤسسة غولدمان ساكس، وتكريم ماري روبنسون وديزموند توتو، وجائزة فيليسيا لانغر، وظهور حزب معاداة الصهيونية في فرنسا، وأخيراً مقال بوستروم، إلا أدلة على أن العالم قد ضاق ذرعاً بتلك الممارسات، وكذلك بالتهمة الجاهزة بمعاداة السامية، وهو ما يزعج قادة الاحتلال ويفسر هستيريتهم أكثر من أي أمر آخر.ويبقى السؤال أين دور العرب فيما يجري؟
........................................

ابراهيم حمامي نقلا عن الجزيرة نت